محمد بن محمد ابو شهبة

286

المدخل لدراسة القرآن الكريم

كان حافظا لها ومتيقنا لقرآنيتها ، وكذلك من كانوا معه كانوا يحفظونها ولكن كان يبحث عن أصلها المكتوب . فإن قيل إن اتجه هذا الجواب ، واستقام في الرواية الأولى ، فكيف يتجه في الرواية الثانية ؛ فقد كانت آية الأحزاب مكتوبة في الصحف التي كتبت في عهد الصديق قلت : لعلها انمحت وتطاير مدادها فلم يبق ما يدل عليها أو لعل الأرضة أكلت موضعها من الصحيفة فاضطر أن يبحث عن أصلها المكتوب فوجده مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ، على أن المعول عليه في القرآن التواتر الحفظي لا الكتابي . الشبهة الثالثة : قالوا : إن القرآن قد زيد فيه ما ليس منه بدليل ما ورد أن عبد اللّه ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه ، وفي رواية كان يحك المعوذتين من مصحفه ، ويقول : إنما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يتعوذ بهما ويقول : إنهما ليستا من كتاب اللّه . والجواب : أن هذه الروايات غير صحيحة ، وأغلب الظن أنها مدسوسة على ابن مسعود ، وإليك ما قاله الأئمة فيها ، قال الإمام النووي في شرح المهذب : « أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن ، وأن من جحد منها شيئا كفر ، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح » ، وقال ابن حزم في كتاب « القدح المعلّى » ، تتميم المجلّى : « هذا كذب على ابن مسعود وموضوع ، وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر عنه ، وفيها المعوذتان والفاتحة » ، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني : « لم يصح عنه أنها ليست من القرآن ، ولا حفظ عنه ، إنما حكها وأسقطها من مصحفه إنكارا لكتابتها ، لا جحدا لكونهما قرآنا لأنه كانت السنة عنده ، أن لا يكتب في المصحف إلا ما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بكتابته فيه ، ولم يجده كتب ذلك ولا أمر به » يعني في علمه وظنه ، وإلا فقد تيقن قرآنيتهما غيره من الصحابة ، وحفظوهما ، وكتبوهما في المصاحف كما صنع زيد ومن معه . وذهب الحافظ ابن حجر إلى صحة ما روي عن ابن مسعود ، وقال : « قول من قال إنه كذب عليه مردود والطعن في الروايات الصحيحة بغير